::وزارة النقل تشدد على سرعة نقل مركز الملاحة الجوية من صنعاء        ::"الغذاء العالمي" يطلق نداء لإنقاذ 41 مليون شخص من المجاعة        ::أمن تعز يستعيد مخطوطات أثرية يزيد عمرها عن 800 عام       ::عقب زيارات ميدانية لحضرموت المهرة.. وزير الداخلية يغادر عبر مطار سيئون متوجها إلى مصر     

 

بأقلامهم

المثالية السلبية في المجتمع الحضرمي

كتب : م. صالح بلعلاء 27/05/2021 17:19:27




(في خضم السيل الجارف من المديح والتفاخر والنرجسية في مجتمعنا الحضرمي التي تعج بها المواقع ووسائل التواصل، استسمحكم عذرا بهذا اللحن المغاير والصوت المختلف من شخص لا يهاب السباحة عكس التيار مع علمه بمآلاتها وما يمكن ان تجره عليه، لكن ذلك يهون في سبيل تصويب مايراه يحتاج التصويب) فاقول:
لا يمكن تعميم سلوك شخص على مجتمع بأكمله، الا ان هناك بعض السلوكيات يكتسبها أفراد مجتمع معين أو على الأقل عدد كبير منهم لأسباب ثقافية أو تربوية أو بسبب عادات ذلك المجتمع أو تقاليده. من السلوكيات التي لاحظتها في كثير من الأفراد في المجتمع الحضرمي ما يمكن أن أطلق عليه المثالية السلبية حيث يتصرف الفرد بدافع المثالية لكنه اما ان يكون مبالغا فيها أو مثالية في غير محلها مما يجعلها تعود بآثار سلبية على أداءه كفرد وأداء المؤسسة التي يعمل فيها ولذلك أطلقت عليها المثالية السلبية.
ساسرد فيما يلي مشاهد اما عايشتها بنفسي أو حكاها لي بعض من أثق بهم. من خلالها سيتجلى بوضوح معنى المثالية السلبية.
حالة ١
الاتكيت مع المدير
يختلف الناس في تعاملهم مع مدراءهم بحسب الطبيعة الشخصية لكل واحد إلا أن الخلفية الاجتماعية والثقافية للشخص تلعب دورا بارزا في طبيعة علاقة الشخص بمديره.
يتطرف بعض الناس في تقربه من مديره ليصل إلى درجة التملق الممل والتذلل المخل، وهذا شائع كثيرا وليس مجال حديثي هنا. وبالمقابل يبالغ البعض الآخر في البعد عن مديره وتعميق الفجوة وتوسيع المسافة معه بدعوى عدم التملق أو البعد عن التذلل بل يصل ببعضهم أن يعامل مديره بجفوة ناسيا انه في الاخير بشر يتأثر بطريقة تعاملك معه ويعاملك على اساس ذلك مهما كان منصفا. التوسط في هذه العلاقة هو الوضع الطبيعي فأنت تؤدي وظيفتك وتبذل فيها وسعك براءة لذمتك وقياما بالأمانة التي أسندت لك وفي نفس الوقت تحافظ على علاقة سليمة ومتزنة مع مديرك وتعطيه ما يستحق من تقدير واحترام بما يليق بمقامه كمدير لك ومسؤل عنك في مؤسستك وتكون حريص على أنه مطلع على جهدك وإمكاناتك وإنجازاتك التي تحققها للمؤسسة لكي لا تظلم نفسك ولكي تعطى ما تستحق من تقييم وحوافز وترقيات لأنه في الاخير هو المسؤول عن تقييمك.
للأسف كثير من شبابنا لا يضبطون هذه العلاقة في عدة وجوه والاغلب يميلون للصنف الثاني وهو الصنف المجافي في علاقته لمديره بدعوى مراقبة الله وعدم العمل لأجل الناس والبعد عن التملق للمدراء لدرجة يصل ببعضهم إلى الجفاء مع مديره أو البعد إلى الحد الذي يجعل مديره يجهل جهوده وقدراته فيضر بذلك نفسه ويخسر كثيرا.
ناقشت أحدهم ممن ينتهج هذا النهج فقال لي انه يعامل ربه وأنه يؤدي عمله متقنا لوجه الله وليس لأجل مديره، فقلت له ليس في ذلك ضير ولكن ينبغي لك أن لا تنتظر شيئا مما في يد مديرك وعليك أن تنتظر ما عند الله يوم القيامة من أجر ومثوبة، ففي يد مديرك التقييم السنوي والترقيات والعلاوات، فإن كنت تريد شيئا من ذلك فاعط مديرك ما يستحق من تقدير كمدير وكن حريصا على أن مديرك مطلع على جهودك وإنجازاتك وقدراتك ومهاراتك من غير تملق ولا تذلل.
والبعض الآخر ينقصه الاتيكيت اللازم في التخاطب والتعامل مع مديره أو تقديم النصح له أو المشورة. من الاتيكيت الا تنادي مديرك باسمه المجرد خصوصا امام باقي الموظفين فإما أن تقول يامدير أو أقلها في ثقافتنا كعرب يابوفلان وان كان لك من تصويب على كلام المدير أو نقد اي تصرف فيستحسن أن يكون على انفراد وليس أمام باقي الموظفين.
مررت شخصيا بموقف مع أحد شبابنا من هذا الصنف، بعد ترقيتي لمستوى معين في الشركة أصبحت مديرا لعدد ما يفوق الخمسة والعشرين شخصا. في أول اجتماع لي بهم أخبرتهم أن جزءا من مهمتي الجديدة والتي يتطلب مني التوقيع على تراخيص العمل أن يراجعوا معي كل ترخيص اوقعه فإن وجدوا ما يستلزم التصحيح فليخبروني بحكم ان هذه المهمة جديدة علي. فهم بعض الموظفين هذا الطلب مني وتعاملوا معه بقمة المسؤلية والاتكيت فكان احدهم يأتي إلى مكتبي ومعه بعض الملاحظات فيقول لي ياابوهند موضوع كذا وكذا وكذا فاتقبل منه ذلك بكل سرور لأن هذا بطلب مني.
في يوم من الايام وبعد انتهائي من الاجتماع الصباحي مع كامل الفريق فإذا بأحد الشباب يطلب الحديث فاذنت له فاخرج ورقة من جيبه فيها ٦ ملاحظات على توقيعات سابقة لي وقال
شف يا صالح... انت في يوم كذا وقعت على كذا وكذا والصح كذا وكذا
وفي يوم كذا وكذا وهو غلط، الصح كذا وكذا
وانا مبتسم واستمع إلى هذا المسكين الذي لايفقه في فنون الاتيكيت ولا التعامل شيئا.. انا لم احمل عليه أي ضغينة بسبب هذا الموقف بقدر ما حملت له من شفقة ورثاء.
طبعا الاثنين كانوا يعتبرون انهم يتصرفون بمثالية... ولكنهم لم يشعروا انها مثالية سلبية لا تفيدهم بشي بل تضرهم كثيرا.
حالة ٢
مسؤل المشتريات في الشركات
في العادة يكون لشركات البترول عدد من الشركات المقاولة المعتمدة لديها بحيث في حالة اي طلبية لمواد جديدة ترسل الطلبية لكل الشركات المقاولة ويطلب منهم عروض اسعار فتقدم كل شركة عروض أسعارها وفقا لمصادرها وامكاناتها في الوصول لموردين في مكان ما في العالم. يتم بعده إجراء مقارنة بين عروض الأسعار المقدمة من كل الشركات ويتم الاختيار من بينها عادة للارخص والاقدر على التوصيل في الفترة المحددة.
حكى لي أحد المدراء التنفيذيين لأحد الشركات المقاولة انه بعد يمننة بعض الوظايف في شركات النفط في حضرموت ووصول بعض من لا يستحق أن يصل إلى مناصب تنفيذية في أقسام المشتريات يقوم هو بنفسه بالخروج للأسواق أو البحث عن أسعار الموردين ليقول حتى للعرض الأرخص ان سعرك غالي وان المادة ارخص في الأسواق ولازم من تعديل السعر.
يفعل ذلك بداعي الإخلاص والأمانة للشركة وعدم هدر المال. وهذه مثالية في غير محلها بل سلبية جدا لأنها تضر بالشركة نفسها لأنها تضعف الشركات المقاولة وتقلل من قدراتها فتقل معها جودة عمل اولاءك المقاولين. مع ان لوائح الشركات لا تتطلب منه أن يتصرف بكل هذه المثالية المضرة، هو عليه أن يبلغ جميع المقاولين بالطلبية وان يستلم عروض اسعارهم ويقارن بينها. وليس عليه أن يبحث في الأسواق عن أسعار المواد والا لما أسندت هذه المهام للمقاولين.
اذا كنا نتكلم عن شركات نفطية فإن جودة الخدمة المقدمة لها أولوية كبرى من حيث طريقة التوصيل وكيفية الحفظ ومدة التوصيل.
الشركات المقاولة في الشركات النفطية عادة ما تتحمل نفقات وسكنات موظفين واعاشة وتراخيص وغيرها، التقتير عليها والتعامل معها كالتعامل مع مقاولي المطاعم والمستشفيات والشركات الصغيرة يضعفها ويؤدي إلى ضعف وتردي جودة الخدمة التي تؤديها.
تصرف من هذا النوع يعتبر أحد أنواع المثالية السلبية
حالة ٣
بائع الصيدلية والبندول الأصلي
مهمة البائع في كل المؤسسات التجارية أن يبيع أكبر قدر من المنتجات المعروضة لديه ويؤدي جهده لجذب أكبر عدد من الزبائن خصوصا في ظل وجود منافسين تجاريين. يتخذ البائعين أساليب شتى في جذب الزبائن من حسن عرض للبضاعة واسلوب التعامل مع الزبون وتيسير الاختيار له. قد يبالغ بعض الباعة في اسلوبه ليصل لمرحلة التغرير والكذب وهذا شي غير مطلوب بل إنه يؤدي في آخر المطاف إلى تنفير الزباين لأنهم وفي الاخير يكتشفوا حقيقة كلام البايع. في المقابل يتصرف بعض الباعة بسلبية ساذجة فأحيان يعلب دور هيئة حماية المستهلك واحيان يلعب دور هيئة المواصفات والمقاييس دون أن يطلب منه ذلك. وهذه في حقيقة الأمر مثالية في غير محلها أو هي مثالية سلبية.
دخلت لاشتري بنادول من أحد الصيدليات، قلت للموظف اعطني بندول لو سمح.. وكان جالسا على كريسيه فقال قبل أن يقوم وين البندول حق زمان، خلاص معاد شي منه، الان كلها صناعات ردئية،
لم أكن في حاجة كل هذا السرد كنت ساخذ اي نوع يحضره لي لاني لم اشترط اي نوع من البندول اريد
فقلت له ايش من انواع عندك؟ فاحضر لي ما يفوق الأربعة أنواع بعضها عالي الجودة.
لو كنت مديرا أو مالكا لتلك الصيدلية وسمعت الحوار لاستغنيت عن ذلك الموظف على الفور.
مهمة البائع أن يبيع ماهو عنده من دون أن يغش الزبائن بكلام غير الحقيقة، اما ان يتبرع بأن يقوم بدور هيئة حماية المستهلك فهذا نوع ردئ من الباعة مع انه يشعر انه يتصرف بمثالية ولكنها في غير محلها بل هي مثالية سلبية.
اتمنى ان تاخذ هذه الظاهرة الاجتماعية -ان صحت التسمية- نصيبها من الدراسة من المختصين في علم الاجتماع والتربية وعلم النفس لمعرفة الاسباب والمعالجات المودية لتصويب السلوك وتحسين اداء الافراد وتصحيح المفاهيم وفرز سليمها من سقيمها ومفيدها من ضارها في مجتمعنا الحضرمي.
املنا في الجيل القادم من شباب حضرموت ان يستخلصوا الجميل من عادات الاسلاف وينظروا بعين المتفحص الحاذق لكل ما يمكن تطويره او تحسينه من سلوكيات وممارسات وافهام تراكمت على مدى عقود وهي غير سليمة او ناقصة ولا يوجد مجتمع الا وفيه من العيوب والنواقص ما يحتاج الى تصويب.
#المثالية_السلبية
#عكس_التيار
م. صالح بلعلاء

لا تذهب وتتركنا نسعد بإعجابك بصفحتنا على الفيس بوك ... إضغط هنا